الغزالي
531
إحياء علوم الدين
وكذلك قد يقع الإبهام في الحروف مثل قوله عز وجل : * ( فَأَثَرْنَ به نَقْعاً فَوَسَطْنَ به جَمْعاً « 1 » ) * فالهاء الأولى كناية عن الحوافر وهي الموريات ، أي أثرن بالحوافر نقعا . والثانية كناية عن الإغارة ، وهي المغيرات صبحا فوسطن به جمعا ، جمع المشركين فأغاروا بجمعهم . وقوله تعالى * ( فَأَنْزَلْنا به الْماءَ « 2 » ) * يعنى السحاب * ( فَأَخْرَجْنا به من كُلِّ الثَّمَراتِ « 3 » ) * يعنى الماء وأمثال هذا في القرءان لا ينحصر ومنها التدريج في البيان . كقوله عز وجل : * ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنُ « 4 » ) * إذ لم يظهر به انه ليل أو نهار . وبان بقوله عز وجل : * ( إِنَّا أَنْزَلْناه في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ « 5 » ) * ولم يظهر به أي ليلة فظهر بقوله تعالى : * ( إِنَّا أَنْزَلْناه في لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 6 » ) * وربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات ، فهذا وأمثاله مما لا يغنى فيه إلا النقل والسماع ، فالقرآن من أوله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس ، لأنه أنزل بلغة العرب ، فكان مشتملا على أصناف كلامهم من إيجاز وتطويل وإضمار وحذف وإبدال وتقديم وتأخير ليكون ذلك مفحما لهم ومعجزا في حقهم ، فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية ، وبادر إلى تفسير القرءان ولم يستظهر بالسماع والنقل في هذه الأمور ، فهو داخل فيمن فسر القرءان برأيه ، مثل أن يفهم من الأمة المعنى الأشهر منه ، فيميل طبعه ورأيه إليه ، فإذا سمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه وترك تتبع النقل في كثير معانيه ، فهذا ما يمكن أن يكون منهيّا عنه دون التفهم لأسرار المعاني كما سبق ، فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير وهو ترجمة الألفاظ ، ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني ، ويدرك الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال ، وهو أن الله عز وجل : قال * ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى « 7 » ) * فظاهر تفسيره واضح ، وحقيقة معناه غامض ، فإنه إثبات للرمي ، ونفى له ، وهما متضادان في الظاهر ، ما لم يفهم انه رمى من وجه ولم يرم من وجه ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله عز وجل ، وكذلك قال تعالى : * ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ « 8 » ) * فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون الله سبحانه هو المعذب ، وان كان الله تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم ، فما معنى أمرهم بالقتال ؟ فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات
--> « 1 » العاديات : 4 ، 5 « 2 » الأعراف : 57 « 3 » الأعراف : 57 « 4 » البقرة : 185 « 5 » لدخان : 3 « 6 » القدر : 1 « 7 » الأنفال : 17 « 8 » التوبة : 14